عبد الملك الجويني

7

الشامل في أصول الدين

مؤديا إلى اعتقاده فهو فيه غالط . وسبيل محاجته أن نوضح له أنه ظن وجها ، وليس الأمر على ما ظن . ( وهذا يستبين لكل ناظر محقق ) . فاتضح أن الشبهة لا وجه لها يقتضي من أجله جهلا . والذي يحقق ذلك أيضا ، أنه لو كان للشبهة وجه يقتضي الجهل لارتبط به حتى لا يتصور ثبوته دون الجهل . ونحن نعلم أن الناظر في الشبهة يجهل تارة ويشك أخرى ، وتحصل له غلبة الظنون في بعض الأحوال ، وهذه معان مختلفة . ولما كان الدليل وجها يقتضي العلم لم يتصور العثور عليه إلا مع العلم بالمدلول . والذي يحقق ما قلناه أيضا أن نقول : الشبهة لا تخلو من حالين : إما أن يكون لها وجه ثابت في معلوم اللّه تعالى يقتضي الجهل ، وإما أن لا يكون لها وجه ثابت متحقق في علم اللّه ، ولكن الناظر يظنه ظنا . فلو كان لها وجه في معلوم اللّه كان العالمون أولى بالعثور عليه . ونحن نعلم أن العالمين المعصومين عن الزلل كالأنبياء ، إذا أحاطوا بوجه الشبهة لم يقتض لهم جهلا . فاستبان أنه لا وجه للشبهة في معلوم اللّه يقتضي الجهل . ولكن الناظر ظن فيه وجها ، فرجع الأمر إلى ظنه دون الشبهة في نفسها . وإذا أحطت بما قلناه علما ، فاعلم أن ما يتضمن وجوب العمل ولا يقتضي العلم كأخبار الآحاد ، والمقاييس ، والعبر المستنبطة في منازل الاجتهاد في الأحداث الشرعية ، فقد تعقبها غلبات الظنون وهي غير مقتضية لغلبة الظن عند كافة المحققين ، كما أنها غير مقتضية علما . وذهب جمهور العلماء إلى أنها تقتضي غلبات الظنون ، كما يقتضي الدليل العقلي العلم بالمدلول ، وهذا ساقط من القول . فإن القياس المستنبط لا يخلو : إما أن يكون صحيحا في معلوم اللّه ، وإما أن يكون فاسدا . فإن كان صحيحا فيقتضي علما ، وإن كان فاسدا كان لغوا لا اقتضاء له . ولا معنى لاقتضاء القياس غلبة ظن ، ولكن إنما ترجع غلبة الظن إلى الناظر فيظن القياس صحيحا . فأما أن يقتضي له القياس ظنا ، فلا . ولكن تحصل غلبات الظنون على مجاري العادات . فإن قال قائل : أليس من أصل شيخكم أبي الحسن « 1 » تصويب المجتهدين ، والقطع

--> ( 1 ) هو علي بن إسماعيل بن إسحاق ، أبو الحسن ( 260 - 324 ه - 874 - 936 م ) ، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري ، مؤسس مذهب الأشاعرة . كان من أئمة المتكلمين المجتهدين . ولد في البصرة ، وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ، ثم رجع وجاهر بخلافهم وتوفي ببغداد . من مؤلفاته « إمامة الصديق » و « الرد على المجسمة » و « مقالات الإسلاميين » وغير ذلك . الأعلام 4 / 263 ، وابن خلكان 1 / 326 ، والبداية والنهاية 11 / 187 والملل والنحل ص 75 .